ابن عجيبة

537

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قالَ هود عليه السّلام : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ على براءتي من شرككم ، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي أي : اقصدوا كيدي وهلاكى ، جَمِيعاً ، أنتم وشركاؤكم ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ؛ لا تؤخرون ساعة . وهذا من جملة معجزاته ، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة ، والفتاك العطاش إلى إراقة دمه ، بهذا الكلام ، ليس إلا لتيقنه باللّه ، ومنعهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه . ولذلك عقبه بقوله : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ، فهو تقرير له . والمعنى : أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضرونى ؛ فإني متوكل على اللّه ، واثق بكلاءته ، وهو مالكي ومالككم ، لا يحيق بي ما لم يرده ، ولا تقدرون على ما لم يقدره . ثم برهن عليه بقوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها : إلا وهو مالك لها ، قادر عليها ، يصرفها على ما يريد بها . والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك . قاله البيضاوي . وقال ابن جزى : أي : هي في قبضته وتحت قهره ، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على اللّه ، وعدم مبالاته بالخلق . ه . إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي : إنه على الحق والعدل ، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم . وقال في القوت : أخبر عن عدله في محله ، وقيام حكمته ، وأنه وإن كان آخذا بنواصي العباد في الخير والشر ، والنفع والضر ؛ لاقتداره ، فإن ذلك مستقيم في عدله ، وصواب من حكمه . ه . فَإِنْ تَوَلَّوْا أي : فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به ، فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ . أي : فقد أديت ما علىّ من الإبلاغ ، فلا تفريط منى ، ولا عذر لكم ؛ فقد جاءكم النذير ، وقامت الحجة عليكم ، وما بقي إلا هلاككم . وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ يسكنون دياركم ، ويعمرون بلادكم ، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم ، وَلا تَضُرُّونَهُ بتوليكم عن الإيمان به ، شَيْئاً من الضرر . أو لا تضرونه شيئا إذا أهلككم واستخلف غيركم ، إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ؛ رقيب ، فلا يخفى عليه أعمالكم ، ولا يغفل عن مجازاتكم . أو حافظ مستول عليه ، فلا يمكن أن يضره شئ . قاله البيضاوي . الإشارة : ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل ، فإذا توجه العبد إلى مولاه ، وسقط على من هو أهل للتربية ، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره ، وخرق عوائد نفسه ، أو أصابه شئ من المكاره ، قال الناس : ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء ، فيقول لهم : إني أشهد اللّه ، واشهدوا أنى برئ مما تشركون من دونه . فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم : فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق ، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؛ لا ينتقم إلا من أهل الانتقام ، « من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب » ، فإن ذكرهم باللّه ودلهم على الطريق ، فكذبوه وأعرضوا عنه ، قال : عسى أن يذهب بكم ، ويستخلف قوما غيركم ، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم ، ولا تضرونه شيئا . وباللّه التوفيق .